باسم الآب والابن والروح القدس
بفرحٍ روحيٍّ كبير، وبشعورٍ عميقٍ بالمسؤولية تجاه أبنائنا المؤمنين، نضع اليوم بين أيديكم مشروع بناء كنيسة القديسين بايسيوس وصفرونيوس وبورفيريوس في منطقة أم الكندم على طريق المطار، هذا المشروع الذي لا نراه مجرد بناءٍ من حجرٍ وإسمنت، بل امتدادًا حيًّا لمسيرة الكنيسة الأرثوذكسية المقدسية في الأردن، ورسالتها الرعوية والوطنية التي تحملها منذ قرونٍ طويلة على هذه الأرض المباركة.
لقد علّمتنا الكنيسة عبر تاريخها أن القديسين ليسوا شخصياتٍ من الماضي فحسب، بل هم حضورٌ حيٌّ في حياة المؤمنين، ونماذج مضيئة تهدينا إلى طريق القداسة والثبات في المسيح. ومن هنا جاء اختيار القديسين بايسيوس الأثوسي وصفرونيوس الأورشليمي وبورفيريوس القديس الرائي شفعاء لهذه الكنيسة المباركة، لتكون شهادةً حيّة على غنى التراث الأرثوذكسي وامتداده عبر الأجيال.
فالقديس بايسيوس يمثل روح المحبة والتضحية والاتكال الكامل على عناية الله، والقديس صفرونيوس بطريرك أورشليم يذكّرنا بأمانة الكنيسة المقدسية وحفظها للإيمان الأرثوذكسي عبر العصور،
أما القديس بورفيريوس فيجسد صورة الراعي الممتلئ نعمةً وحكمةً وأبوةً روحية تجاه الإنسان المعاصر. وستُشاد الكنيسة بثلاثة هياكل مقدسة، يحمل كل هيكل اسم أحد هؤلاء القديسين، ليبقى حضورهم الروحي حيًا في حياة المؤمنين، وليكونوا شفعاء وحراسًا لهذا البيت المقدس ولجميع أبنائه.
إننا نصلي أن تصبح هذه الكنيسة منارةً روحيةً حقيقية، ومكانًا يلتقي فيه الإنسان بالله، ويتغذى فيه المؤمنون من أسرار الكنيسة المقدسة وتعاليمها، وينهلون من خبرة القديسين الذين أضاءوا طريق القداسة في الأزمنة الحديثة والمعاصرة.
إن الكنيسة الأرثوذكسية في الأردن لم تكن يومًا مجرد مؤسسة دينية تؤدي الشعائر فحسب، بل كانت وما تزال أمًّا حاضنة لأبنائها، ترافقهم في أفراحهم وأتراحهم، وتخدمهم روحيًا واجتماعيًا ووطنيًا، وتسهم في بناء الإنسان والمجتمع. فمنذ عقود طويلة، حملت مطرانية الأردن للروم الأرثوذكس رسالة الخدمة والرعاية والتعليم، وكانت شريكًا أصيلًا في خدمة المجتمع الأردني ونهضته، وفي ترسيخ قيم المواطنة والمحبة والانتماء والعيش المشترك.
ومن هذا المنطلق يأتي هذا المشروع استجابةً لحاجة رعوية حقيقية فرضتها طبيعة النمو السكاني والتوسع العمراني الذي تشهده العاصمة عمّان، وانتقال العديد من العائلات الأرثوذكسية من المحافظات المختلفة إلى العاصمة، ومن أحياء العاصمة الشرقية إلى امتدادها العمراني في الغرب والجنوب، الأمر الذي جعل الحاجة ملحّة إلى وجود مركز كنسي جديد يخدم أبناءنا ويجمعهم حول مذبح الرب، ويحفظ ارتباطهم بكنيستهم وإيمانهم وتراثهم الروحي.
وفي هذه المناسبة، نتوجه بالشكر والتقدير والعرفان إلى جمعية الثقافة والتعليم الأرثوذكسية المؤسسة الوطنية الأرثوذكسية العريقة والرائدة في النهضة الروحية وفي مجال التربية والتعليم والتي قدمت الأرض وتبرعت بها لتسجيلها باسم بطريركيتهم بطريركية الروم الأرثوذكس المَقدسيّة، واضعةً بذلك حجر الأساس لهذا المشروع المبارك. إن هذه المبادرة الكريمة تعكس عمق انتماء أبناء الكنيسة لكنيستهم، وتجسد روح العطاء والمسؤولية والشراكة الحقيقية في خدمة رسالة المسيح على هذه الأرض المباركة.
كما ندعو أبناءنا المؤمنين في الأردن، وفي مختلف بلاد الانتشار والمهجر، إلى المشاركة في هذا العمل المبارك، كلٌّ بحسب إمكانياته، لأن بناء الكنيسة ليس مسؤولية فرد أو عائلة أو مؤسسة بعينها، بل هو مسؤولية جماعية وفرصة روحية يشترك فيها الجميع. فكل مساهمة، مهما بدت صغيرة، تتحول إلى حجرٍ في بيت الله، وإلى صلاةٍ ترتفع مع كل قداسٍ يُقام، ومع كل طفلٍ يتعلم الإيمان الأرثوذكسي القويم، ومع كل شابٍ يجد في الكنيسة جذوره وهويته، ومع كل عائلةٍ تجد فيها بيتها الروحي ومصدر عزائها ورجائها.
إن دعم هذا المشروع لا يقتصر على إقامة مبنى جديد، بل هو استثمار في مستقبل الحضور المسيحي في هذه الأرض المباركة، وترسيخ لوجود أبنائنا وتمسكهم بجذورهم وإيمانهم وتراثهم. فالكنيسة التي نبنيها اليوم هي شهادة حيّة على استمرار الرسالة المسيحية في أرض الشرق، وعلى تمسك أبنائها بالبقاء في أوطانهم وخدمة مجتمعاتهم. وكل مساهمة في هذا المشروع هي، في جوهرها، مساهمة في تثبيت الوجود المسيحي الأصيل في الأردن والأراضي المقدسة، ودعم لأبنائها ليبقوا شهودًا للمسيح ورسالة الإنجيل في الأرض التي تقدست بخطوات ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح، ومنها انطلقت بشارة الخلاص إلى العالم أجمع.
وختامًا، نعبر عن عميق شكرنا وامتنانا لحضرة صاحب الجلالة الهاشمية الملك عبد الله الثاني ابن الحسين المعظم، الوصي الهاشمي على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، ولسمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبد الله الثاني، ولجميع مؤسسات الدولة المعنية، على ما يحيطون به الكنائس والمؤسسات المسيحية من رعاية واهتمام ودعم دائم، وعلى ما يقدمونه من تسهيلات ومساندة تعكس الصورة المشرقة للأردن، وطن العيش المشترك والمحبة والاحترام المتبادل وصون الحريات الدينية.
إن الحجر الذي يوضع اليوم في أساس هذه الكنيسة لن يكون حجرًا في بناءٍ فحسب، بل علامة رجاء للأجيال المقبلة، وشهادةً متجددة بأن الكنيسة الأرثوذكسية المَقدسيّة ” أم الكنائس” ستبقى حاضرة في هذه الأرض المباركة، تصلي وتخدم وتشهد للمسيح، وتفتح أبوابها لكل إنسانٍ باحثٍ عن الله والمحبة والسلام.
نسأل الله أن يبارك هذا المشروع، وأن يعضد جميع العاملين فيه والداعمين له، وأن يوفقنا لنرى قريبًا هذا البيت المقدس قائمًا، شامخًا في خدمة أبنائه، تتعالى من مذابحه الثلاثة الصلوات والتسابيح، ويتمجّد فيه اسم الله، وتستمر من خلاله رسالة الكنيسة المقدسة جيلاً بعد جيل.
الداعي لكم بالخير
+ المطران خريستوفوروس
مطران الأردن للروم الأرثوذكس



